تضيف هذه السلسلة إلى المشروع الجغرافي العربي "ارتياد الآفاق" فضاء جديداً يساهم في بلورة الأفق الذي نتطلع
إليه. وإذا كان الانشغال الأساسي للمشروع منذ البداية بالمؤلفات التي وضعها الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون
لما أصاب هذا الأدب من إهمال كبير على مدار الأزمنة الحديثة، فإن ذلك لم يمنعنا من التفكير بأدب الرحلة المكتوب
باللغات الأخرى بصفته نتاجاً إنسانياً، ولا جعلنا ننطوي على ما حققته الثقافة العربية من إنجازات طوال 10 قرون من
النشاط المبدع في هذا الميدان، على رغم ثراء التجربة الجغرافية العربية. فليس من الحكمة في شيء عزل المكتبة
الجغرافية العربية عن شقيقاتها في اللغات الأخرى. وهو ما حدا بنا إلى التفكير بصورة مركزة، ومن ثم العمل على اختيار
أعمال تنتمي إلى أدب الرحلة العالمي ذات قيمة استثنائية إن في اللغة التي كتبت بها، أو في العصر الذي ظهرت فيه.
يوميات تشي غيفارا هذه يطبعها سحر خاص، شخصية ملأت القرن العشرين وفاضت أطيافها على الألفية الثالثة. مثال
إنساني وكفاحي مضيء لكل الأزمنة. هذه اليوميات التي كتبها تشي غيفارا خلال رحلة في أرجاء أميركا اللاتينية
سنة 1952 قطع خلالها مع صديقه ألبرتو غرانادو على دراجة نارية 4500 كيلومتر، كانت البوابة التي ولج منها الطبيب
الأرجنتيني الشاب غيفارا إلى فضاء أميركا اللاتينية، وصولا إلى "سرة العالم" – عاصمة الأنكا، ليعود من هناك بالشعلة
التي صهرت روحه النقية ومزجتها بآلام شعوب القارة المنهوبة وتطلعاتها، بدءا من تاريخ الإبادات الجماعية التي ارتكبتها
غزوات الرجل الأبيض، وانتهاء بالأمل الإنساني المعذب.
هذه الرحلة هي التي وضعت غيفارا على الطريق التي اختار، طريق الفداء. وعلى درب العودة إلى غرناطةِ الأرجنتين
من رحلته اللاتينية، كتب إرنستو تشي غيفارا، بينما هو يحتفل بعيد ميلاده الرابع والعشرين: "علمت أنه حين تشق
الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلى شطرين متصارعين، سأكون إلى جانب الشعب. أعلم هذا، أراه مطبوعاً في سماء
الليل، أرى نفسي قرباناً في الثورة الحقيقية، المعادل العظيم لإرادة الأفراد. أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق الرائحة اللاذعة
للبارود والدم وموت العدو. أفعم جسدي بعزم فولاذي، وأعد نفسي للمعركة...".
هل نستطيع قراءة يوميات تشي غيفارا الشاب، بعيدا عن صورة الأسطورة التي تخطت الزمن بإنسانيتها المذهلة وكفاحيتها
العظيمة؟
رحلة غيفارا في أميركا اللاتينية تكشف مبكراً عن شخصيته الفريدة كحالم وثائر وصاحب قضية إنسانية، وهي بالتأكيد عمل
أدبي ملهم.
محمد أحمد السويدي |