تصدر هذه السلسلة في إطار خطة متكاملة لتحقيق وترجمة ونشر مجموعة مختارة من أعمال الرحالة والحجاج والأدباء الأوروبيين إلى الشرق، وذلك منذ أقدم الرحلات إلى هذه الديار وحتى الرحلات التي قام بها الأدباء والحجاج والسفراء والسائحون في مطلع القرن العشرين.
بما يشكل موسوعة معرفية متكاملة تكشف عن جغرافيا الشرق كما تمثلتها عبر العصور يوميات المسافرين الأوروبيين.
يسجل لأدب الرحلة الغربي إلى الشرق محاولته اكتشاف عالم مختلف ونقل الانطباعات عن هذا العالم لكن هذا الأدب كان في جانب منه قائماً على تنميط الشرق والشرقيين، عَبْرَ رسمِ صورٍ دنيا لهم، بواسطة مخيِّلةٍ جائعةٍ إلى السِّحري والأيروسيِّ والعجائبيِّ.
إن أحد أهداف هذه السِّلسلة من كتب الرحلات هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكَّل عن طريق الرحلة، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرَّحالة، والانتباهات التي ميَّزت نظرتهم إلى الدول والناس والأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكِّل ثروةً معرفيَّةً كبيرةً، ومخزناً للقصص والظواهر والأفكار، فضلاً عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمُدهش مما التقطته عيون تتجوّل وأنفسٌ تنفعل بما ترى، ووعي يلمُّ بالأشياء ويحلِّلها ويراقب الظواهرَ ويتفكَّرُ بها.
والواقع أنه لا يمكن قراءة نصوص السفر الغربية إلى الديار المقدسة في فلسطين والأردن، أو إلى المناطق والأقاليم المجاورة، والشرق بصفة عامة، بمعزل عن جملة التطورات التي شهدها التاريخ الأوروبي في علاقته بالعرب والشرقيين عبر محطات كبرى (الحروب الصليبية، سقوط القسطنطية، سقوط الأندلس، نشأة الاستعمار الحديث) وبالتالي فهي نصوص تأسرها النظرة الغربية المسبقة إلى الشرق والشرقيين. ولا يجوز عزل هذه النظرة أيضاً عن استراتيجيات دول المركزية الغربية في التطلع نحو أراضٍ وأسواق واستثمارات في الشرق، وذلك في ظل حراك إجتماعي، سياسي، علمي، اقتصادي، عسكري، إمبراطوري الطابع، ومن ثم حركة دؤوبة للبرجوازية الوليدة في مجتمعات دخلت عصور الصناعة الثقيلة وتحولت إلى مراجل أكول لم يكن ليكفيها ما تملكه من ثروة خاصة بها، فراحت عينها تتسع أكثر فأكثر على ثروات الشرق، وقد رافقها في الرحلة إليه وصافو الشرق من رسامين، ومستكشفين، ومغامرين عبر المدن والصحارى والجبال والسواحل قريبة وبعيدة عن عواصم الشرق.
بمتعةٍ وحبِّ اكتشافٍ للنظرة المختلفة يمكن قراءة جزء من نصوص الرحالين الغربيين إلى الشرق والديار المقدسة، وبتحفظ وتنبه لما في السطور وبين السطور ووراء السطور يجب قراءة بقية الأجزاء. من دون إغفال أهمية هذه النصوص كوثائق عن رؤية الآخر لنا.
بإنجاز هذا المشروع بشقيه الورقي والإلكتروني تتوفر المكتبة العربية على كنز فكري وأدبي أنتجته الأمم عبر قرون وما يزال أغلبه في مخطوطات، أو طبعات قديمة صارت خارج التداول، وبالتالي نتطلع إلى أن تكون هذه الموسوعة بمثابة ذخيرة للثقافة العربية تمكن من وضع شرق الرحالة بصورة موسوعية في متناول وعي الأجيال المقبلة.

محمد أحمد السويدي